الشيخ الطبرسي

299

تفسير مجمع البيان

المعنى : ثم حكى سبحانه عن الكفار الذين وصفهم فيما تقدم ، فقال : ( وإذا رأوك ) أي : وإذا شاهدوك يا محمد ( إن يتخذونك إلا هزوا ) أي : ما يتخذونك إلا مهزوا به ، والمعنى أنهم يستهزئون بك ، ويستصغرونك ، ويقولون على وجه السخرية : ( أهذا الذي بعث الله رسولا ) أي : بعثه الله إلينا رسولا ( إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ) قال ابن عباس : معناه لقد كاد يصرفنا عن عبادة آلهتنا ، وتأويله : قد قارب أن يأخذ بنا في غير جهة عبادة آلهتنا ، على وجه يؤدي إلى هلاكنا ، فإن الإضلال : الأخذ بالشئ إلى طريق الهلاك . ( لولا أن صبرنا عليها ) أي : على عبادتها ، لأزلنا عن ذلك . وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه . فقال سبحانه متوعدا لهم : ( وسوف يعلمون حين يرون العذاب ) الذي ينزل بهم في الآخرة عيانا ( من أضل سبيلا ) أي : من أخطأ طريقا عن الهدى ، أهم أم المؤمنون . ثم عجب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من نهاية جهلهم ، فقال : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) أي : من جعل إلهه ما يهواه ، وهو غاية الجهل . وكان الرجل من المشركين يعبد الحجر والصنم ، فإذا رأى أحسن منه ، رمى به وأخذ يعبد الآخر ، عن سعيد بن جبير . وقيل : معناه أرأيت من ترك عبادة خالقه وإلهه ، ثم هوى حجرا فعبده ، ما حاله عندك ، عن عطاء ، عن ابن عباس . وقيل : من أطاع هواه واتبعه ، فهو كالإله ، وترك الحق ، عن القتيبي . ( أفأنت تكون عليه وكيلا ) أي : أفأنت كفيل حافظ يحفظه من أتباع هواه ، وعبادة ما يهواه من دون الله أي : لست كذلك . وقيل : معناه أتقدر أنت يا محمد أن تهديه إذا لم يتدبر ، ولم يتفكر أي : لا تقدر على ذلك ، لأن الوكيل هو الكافي للشئ ، ولا يكون كذلك إلا وهو قادر عليه . ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( أم تحسب ) يا محمد ( أن أكثرهم يسمعون ) ما تقوله سماع طالب للإفهام ( أو يعقلون ) ما تقوله لهم ، وتقرأ عليهم ، وما يعاينونه من المعجزات والحجج أي : لا تظن ذلك ( إن هم إلا كالأنعام ) أي : ما هم إلا كالبهائم التي تسمع النداء ولا تعقل ( بل هم أضل سبيلا ) من الأنعام ، لأنهم مكنوا من المعرفة ، فلم يعرفوا . والأنعام لم يمكنوا منها ، ولأن الأنعام ألهمت منافعها ومضارها ، فهي لا تفعل ما يضرها ، وهؤلاء عرفوا طريق الهلاك والنجاة ، وسعوا في هلاك أنفسهم ، وتجنبوا سبيل نجاتهم ، فهم أضل منها . ثم نبه سبحانه على النظر فيما يدل على وحدانيته ، وكمال قدرته فقال : ( ألم تر ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمراد به سائر المكلفين ( إلى ربك كيف مد الظل )